تقارير

النفط في زمن “الكورونا”… مستقبل متأرجح بين تقلبات السعر والطلب 

بقلم / نضال أبوزكي، مدير عام “مجموعة أورينت بلانيت” 

في وقتٍ يوحّد العالم قواه لمواجهة فيروس “كوفيد-19” المستجد، المعروف بـ “كورونا”، تتّجه الأنظار حول تبنّي إجراءات فاعلة للحد من التداعيات السلبية التي لم تعد مقتصرة على الصحة العامة، وإنما امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي وتضع أعباء كبيرة على المحرك الاقتصادي الرئيسي المتمثل في النفط. وشابت أسواق النفط مؤخراً حالة من عدم الاستقرار جراء فشل اجتماع “أوبك بلس” في الوصول إلى اتفاق يقضي بخفض الإنتاج لمواجهة آثار وباء “كورونا” على النفط الخام، متسبباً في تراجع ملموس في أسعار النفط.

 

والناظر في أحوال أسواق النفط اليوم يجد انخفاضاً في الأسعار، مع توقعات بتراجع أكبر على المدى المنظور في ظل خطط بعض كبار المنتجين لزيادة إنتاج النفط الخام بشكل كبير في أعقاب الإخفاق في الوصول إلى اتفاق لخفض الإمدادات. وفي حين يرى البعض أن ما يتعرض له سعر برميل النفط حالياً هو مجرد أسباب طارئة وليست دائمة وحالة مؤقتة ليست في صالح كبار المنتجين، يرى آخرون أن الضربة التي تلقتها أسواق النفط العالمية جراء تداعيات فيروس “كورونا” والتدابير المتخذة بشأنه فيما يتعلق بحظر السفر والمتبعة من كثير من دول العالم، سيكون لها آثارها الممتدة والتي ستطال بلا شك معدلات الطلب العالمية من النفط، وهو ما دفع كبرى المؤسسات المالية وشركات إنتاج النفط إلى تخفيض توقعاتها لمعدل الطلب على النفط بشكل كبير. وبالمقابل، تتوقع وكالة الطاقة الدولية حالة من الانكماش في الطلب على النفط الخام خلال العام الجاري، مدفوعاً بانخفاض طلبات دول العالم، لا سيّما الصين. كما تفيد تقديرات الوكالة بأن يصل حجم الطلب العالمي على النفط إلى 99.9 مليون برميل يومياً خلال العام الجاري، بانخفاض قدره 90 ألف برميل يومياً مقارنة بالعام الماضي.

 

وعلى الرغم من التأثير الكبير لفيروس “كورونا” على الطلب على الطاقة عالمياً مع إيقاف المصانع وإلغاء آلاف الرحلات الجوية، إلا أنه من الواضح أن الدول المستوردة الكبرى، لا سيما الصين التي تعتبر أكبر مستورد للنفط بواقع 10 مليون برميل يومياً، والهند وألمانيا، سوف تستفيد من انخفاض أسعار النفط، في حين سيستفيد المستهلكون بشكل عام أيضاً من التطورات الحاصلة وما ينجم عنها من انخفاض في أسعار الغاز. ولكن، يقابل ذلك خسارة الدول الرئيسية المنتجة للنفط مبالغ كبيرة، حيث تحتاج دول الخليج على سبيل المثال إلى سعر يتراوح ما بين 70 دولاراً للبرميل أو أكثر لتحقيق التوازن في ميزانياتها. وتبقى أكثر الدول تأثراً بانخفاض أسعار النفط هي تلك الدول المنتجة والتي عانت من سنوات من الاضطرابات أو العقوبات مثل العراق وليبيا وفنزويلا. وفي حال استمرت معدلات إنتاج النفط الخام بارتفاع فإن سعر البرميل سيهبط إلى نحو 20دولاراً، مما يكبد الدول المصدرة للخام خسائر كبيرة نتيجة تراجع إيراداتها، لا سيما مع زيادة فيروس “كورونا” للوضع سوءاً، والانعكاس السلبي لذلك من خلال التباطؤ المستمر للنشاطين الصناعي والتجاري بالأسواق العالمية، مما يخفض معدلات الاستهلاك من البترول.

 

ومن الواضح أن المشكلة التي كانت تعاني منها أسواق النفط قبل فيروس “كورونا” تتمثل في كيفية التعامل مع فائض الإمدادات وتخمة المخزون النفطي العالمي. أما الآن، وبعد انتشار هذا الوباء العالمي، أصبحت المشكلة الرئيسة تدهور الطلب على النفط إلى معدلات غير مسبوقة. ومع حالة عدم اليقين السائدة في أسواق النفط، التي اضطرت إلى مواجهة صدمة مزدوجة تمثلت في تراجع الطلب بسبب فيروس كورونا وحرب غير متوقعة على أسعار النفط بين كبار المنتجين، يأمل خبراء الاقتصاد أن تعود أسواق النفط إلى طبيعتها خلال النصف الثاني من العام الجاري، بالرغم من أن الوضع لا يزال مقلقاً في ظل وقوف العالم عاجزاً حتى الآن عن القضاء على الفيروس الجديد. ويستند الخبراء في ذلك إلى أن مثل هذه الظروف عادة ما تكون متوقعة ومبررة، لا سيما في ظل التراجع المفاجئ لمعنويات المستثمرين والمتعاملين في الأسواق، لكن سرعان ما تتراجع هذه الضغوط بمرور الوقت، خاصة في حال ظهور أولى بوادر انحسار مخاطر انتشار “كورونا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: