حوارات

محمد فودة يكتب: الحب فى زمن “التيك أواى”.. أكاذيب وخداع وعلاقات غير مستقرة

لماذا “تغيرت” المشاعر النبيلة و”هربت” الأحاسيس الصادقة؟ 

“السوشيال ميديا” أفسدت حياة الناس واغتالت المعنى الجميل للحب 

الإيقاع السريع للحياة جعل “لغة المصالح” تتحكم فى العلاقات الاجتماعية 

بدون الحب لا يمكن أن تستقيم الحياة  وكل شيء يتحول إلى مجرد “سراب”

هل تغير معنى الحب وتبدلت ملامحه أم أن الناس هى التى تغيرت وأصبحت ترى الأشياء بشكل مختلف واختلطت المفاهيم بالنسبة لهم بما فى ذلك نظرتهم إلى مفهوم الحب الذى طاله التغيير وأصبح بالفعل مختلفا تماماً لم يعد كما كان من قبل، وحتى وإن كانت قد تغيرت الظروف وتبدلت الأجواء بسبب توحش السوشيال ميديا وسيطرة مفردات غريبة على حياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية إلا أننى على قناعة تامة بأن “الحب” ينبغى أن يظل كما هو  وكما كنا نعرفه ونضعه فى صدارة الصفات النبيلة لأننا ندرك تماماً أنه  بدون الحب لا يمكن أن تستقيم الحياة بأى شكل من الأشكال ، وبدون المشاعر الصادقة لن تدوم العلاقات النبيلة بين الناس بل ربما بدونه تنقلب حياتنا رأساً على عقب.

أعلم جيداً أن كل شيء من حولنا قد تغير وأصبح يسير بإيقاع سريع جداً ولكن ليس معنى ذلك أن نسلم بالأمر الواقع وأن نسمح لمشاعر الحب النبيلة بأن تنزلق إلى هذا المستوى أيضا وتصبح هى أيضاً بنفس الإيقاع السريع لأنه لو حدث ذلك ستتغلب عليه لغة المصالح وتسيطر عليه الأنانية وهى صفة غير محمودة وإن حلت على أى شيء فإنها تفسده وتبدله بشكل لافت للنظر وتجعله مجرد مسخ لا طعم له ولا لون ولا رائحة. لقد تغير كل شيء يتعلق بالحب من قريب أو بعيد ، فالحب مثله مثل الكثير من الأشياء الجميلة التى تغيرت بتغير الزمن وتحول بشكل جذرى ليعكس بوضوح تلك التغيرات المجتمعية التى طرأت على حياتنا فالحب الذى تغنى به وله مطربون كبار أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ليس هو نفسه الحب الذى يتغنى به مطربو الوقت الحالى بهذه الكلمات السطحية والموسيقى الفجة .. الفارق هنا كبير جداً بين هذا وذاك .. ربما يكون السبب فى الناس أنفسهم وفى تعاملهم مع مفردات الحب بشكل مختلف تماماً عما كان يتعامل به  الجيل السابق.

فلا يمكن أن ينكر أحد أن أغانى الحب  أيام زمان كانت أغانى لها قيمتها وحجمها بما تحمله من مشاعر وأحاسيس صادقة والدليل على ذلك استمرار هذه الأغانى حتى الآن ومدى قوتها فى التأثير على مشاعر المستمعين لما تحويه من ألحان رائعة وكلمات لها قيمتها وأصوات قوية تجبر الجميع على احترامها والتأثر بها ، وفى المقابل نجد أغانى هذه الأيام المرتبطة بالحب سريعة ومتلاحقة وغير مفهومة ولا تحرك المشاعر على الإطلاق. فلماذا تغير الحب ولماذا نسمح لمشاعر الأنانية بأن تفسد علينا حياتنا وتشوه المعانى النبيلة التى كانت أحد أهم ركائز الحب الصادق والمشاعر الحقيقية؟!..  فأنا أكتب الآن عن هذا الحب الصادق الذى نفتقده إيماناً منى بأنه كان ومازال وسيظل يمثل بالنسبة لنا صمام الأمان أمام طغيان مفردات الحياة الحديثة الصعبة والقاسية والتى لا ترحم أحداً خاصة أنها وللأسف الشديد خالية تماماً من أهم شيء يمكن أن يعطى للحياة قيمتها وهو الحب ، نعم الحب الذى أعنيه فى قولى هو إكسير الحياة ذاتها وهو البوتقة التى تنصهر بداخلها المشاعر والأحاسيس لتمنحنا المزيد من الصلابة التى تجعلنا قادرين على مواصلة الحياة والاستمتاع بها بشكل طبيعى. والحق يقال فإننى أكتب الآن لأعبر عن الإحساس الصادق بالحب كما عشته ومازلت أعيشه ، فالحب بالنسبة لى هو الدافع الرئيسى الذى يمنحنى دائماً القدرة على تجاوز أية عراقيل ، فى جميع مراحل حياتى حيث يظل الحب بمثابة حائط صد أمام أنواء الحياة وقسوتها فحتى وإن كانت تلك العلاقات مجرد مراحل فى الحياة إلا أنها فى نهاية الأمر تشكل جانباً مهما يجسد أروع مثل فى الحب الحقيقى.

وعلى الرغم من ذلك فإننى على قناعة أيضاً بأن الاختلاف فى التعامل مع مفهوم الحب لا يعنى أن نترك مشاعرنا بلا ضوابط ، فقط علينا أن نضع كل شيء فى حجمه وألا ندع المفهوم الفضفاض للحب يلعب بعواطفنا وبمشاعرنا وأن نضع كل شخص فى حجمه الحقيقى دون أن نترك كلمة “حب” تتحول إلى نقطة ضعفنا فهناك أشخاص مهما أحببناهم ومهما منحناهم مشاعرنا بكل صدق وبكل إخلاص فإنهم يقابلون هذا الحب بالجحود والنكران ويطعنون مشاعرنا فى الظهر ضاربين عرض الحائط بكافة الصفات والتصرفات النبيلة متناسين أن الحب الحقيقى يفرض عليهم إحساساً صادقاً على قدر ما نمنحه لهم من مشاعر فياضة بالصدق والإخلاص ولكن ماذا نقول فى النفس البشرية التى حيرت الأنبياء وأتعبت الفلاسفة والمفكرين والشعراء؟! فالنفس البشرية ستظل دائماً على هذا النحو المثير للدهشة.

ومن هذا المنطلق فإننى أرى ضرورة أن يبادر كل منا بالبحث بداخله عن مصدر حقيقى لهذا الحب الذى أعنيه فى قولى وأن يفتح لنفسه طاقة نور ليتسرب من خلالها الحب إلى داخل أعماقه ، فنحن وكما يقول الفلاسفة نجذب ما نفكر به ونستشعره بإيجابية كأنه يحدث ونتخيله ونضعه فى الفعل، فإذا أردنا أن نجذب الحب وتوأم الروح وجب علينا التركيز على مشاعرنا وحالتنا كأننا بالفعل نستقبل هذا الحب، من خلال الأفعال والنيات والمشاعر، وأن نطلق العنان للرغبات والآمال لتحديد هذا الشخص أو ذاك وكل ما نبغى الحصول عليه من تجربة الحب، بالإضافة إلى استشعار الأحاسيس التى نريد أن نتلقاها والتعبير عنها خلال هذه التجربة، ونهيئ لأنفسنا مناخاً صحياً مليئا بالحب ونشعر بكل المشاعر والأحاسيس التى نحتاجها، من لحظات الانسجام والارتباط، والثقة ، والأمان، والسعادة، وبهذه الطريقة فإننا نستطيع أن نترك العنان لرغباتنا فى تحديد المشاعر التى نريد أن نحصل عليها ونركز على صفات الشخص الذى نستدعيه فى ذاكرتنا وهو على هذا النحو من مشاعر الحب، ونتحرر من كافة العقبات التى تحول بيننا وبين الوصول إلى هذا الشكل من أشكال الحب الذى نتمناه لأنفسنا ولمن حولنا أيضاً، فلا تبخلوا على أنفسكم بهذه السعادة ولا تكونوا أنتم العقبة فى الحصول على هذا الحب بالتركيز على حالة الفقدان، ولكن بالتركيز على الرغبة فى حقنا فى الحب، وبذلك نكون نعلن للعالم أجمع أننا نستحق هذا الإحساس الرائع ونبدأ بالحياة فى روعته بدلاً من التذمر من عدم وجوده، وبذلك فإننا نستطيع أن ندرك أهمية الحب وبالتالى يدرك هو احتياجنا له. ومما سبق نضع أيدينا على مسألة فى غاية الأهمية هى أن الحب لم يكن مجرد نوع من الترف أو حالة من حالات الرفاهية فى حياة الإنسان فهو وكما أثبتت الدراسات والأبحاث الإنسانية أنه يمثل المصدر الأساسى للأمن النفسى وبالطبع حينما يكون حباً حقيقياً ونابعاً من القلب فإنه يصبح المصدر الأساسى للسعادة ، والسبيل الرئيسى إلى غاية الإنسان ورغبته الحقيقية فى تحقيق التوازن النفسى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق