منوعات

الشيخ مصطفى النوراني الرباني… يكتب / في اغتنام ما تبقى من العشر

بقلم / الشيخ مصطفى النوراني الرباني

أشهد أن لا إله إلا الله، لا معبود بحقٍ إلا الله، ولا رب لنا سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم نلقاه

فإن الأيام قد أسرعت بنا إلى قبورنا، وأنقصت شهورنا وأعوامنا، وما ذاك إلا من أعمارنا، ولن نجد أمامنا إلا أعمالنا، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.

ها نحن نعيش قي خضّم الأشهر الحرم التي يضاعف فيها الثواب والعقاب، بل في أوج ِ خير أيام الدنيا أيام ِ عشر ذي الحجة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ([2])»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»([3]).

“وهذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلاً إذا وقع في زمان فاضل، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة؛ لفضل زمانه.. وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره، ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله، ثم لا يرجع منهما بشيء”([4]).
دلَّ هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحبُّ إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده”
تجتمع في هذه الأيام أمهات العبادة حيث يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: “والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره”
ومن أجلّ العبادات في هذه العشر المباركة التي نغفل عنها كثيراً كثرة الدعاء والذكر والتكبير والتحميد والتهليل. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “وكان صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء في عشر ذي الحجة، ويأمر فيه بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد. ويُذكر عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق فيقول: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد) وهذا وإن كان لا يصح إسناده فالعمل عليه، ولفظه هكذا يشفع التكبير، وأما كونه ثلاثاً، فإنما روي عن جابر وابن عباس من فعلهما ثلاثا فقط، وكلاهما حسن. قال الشافعي: إن زاد فقال الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر، كان حسناً”
وأمّا يوم عرفة وما أدراك ما يوم عرفة؟ يوم التاسع من ذي الحجة، فهو يومٌ شريفٌ كريم، يومٌ تُعتَقُ فيه الرِّقابُ، ويُسمَعُ فيه الدعاءُ ويُجابُ، وما من يومٍ أكثر من أن يُعتِقَ الله عز وجل فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنُو ثم يُباهِي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟
عتق الرقاب وإجابة الدعاء وغفران الذنوب والأوزار هو عام للواقفين بعرفة وغيرهم من أهل الأمصار.
وخيرُ الدعاء دعاءُ يوم عرفة، فلنظهر في ذلك اليوم التوبةَ والاستغفار، والتذلُّل والانكِسار، والندامةَ والافتقار، والحاجةَ والاضطرار، ولو بقيت يا موفق في مسجدك ذلك اليوم حتى غروب الشمس لم يكن هذا كثيراً ففي هذا اليوم من الفضائل والرحمات والخيرات والبركات ما تستحق لأجلها أن تبذل الأوقات
قال صلى الله عليه وسلم: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيّون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”إذا لم تكن حاجاً فكن صائماً في ذلك اليوم العظيم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»([10]). واحذر أن تكون في هذا اليوم عن الله منشغلاً أو لغيره راجياً ومؤملاً.. عن سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب أنه رأى سائلاً يسأل الناس يوم عرفة، فقال: يا عاجزاً في هذا اليوم تسأل غير الله تعالى!.
نظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانقاً – وهو مبلغ ضئيل من المال – فهل كان يردهم؟ قالوا: لا. فقال: واللهِ لَلمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك..
صلاة العيد، والأضحية، من أعظم ما يتقرب به المؤمن في ذلك اليوم العظيم يوم النحر الذي هو أفضل أيام العام؛ كما في حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» رواه أحمد[12].
ومن قدر على الأضحية فلا يتركها، وذبحها أفضل من التصدق بثمنها، والأضحية الواحدة تكفي أهل البيت الواحد، ويجب الحذر من المباهاة بتكثيرها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش عنه وعن آل محمد، وضحى بكبش عن أمته، وفضل الله تعالى واسع[13]، وجاء عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قال: سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ: «كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى»: رواه الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ[14].

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: