حوارات

رمزي سليم.. يكتب : إعلام “ الفعل و الفاعل ”

في ثقافة الاستهلاك باتت الصورة هي
“ ا لفعل والفاعل “ وبالتالي هي فلسفة حياة.في الثورة العالمية الاخيرة او في آخر ثورات ما ابتكره العقل البشري هي ثورة الاتصالات ثورة التكنولوجيا لتصبح الحياة رهينة لها على الاقل في هذا القرن ان لم نقل لقرون قادمة تحت عنوان عصر تكنولوجيا الاتصالات والأكل والشرب وحتى التنفس طالما سيأتي اليوم الذي تتحكم فيه التكنولوجيا بالهواء والمناخ وبمساراته .

الاعلام له ثورته ايضا ولكن عن أي ثورة يمكن الكلام . هل يمكن الحديث عن ثورة معرفية تنموية اجتماعية او تجارية ام هي ثورة اتصالات وتكنولوجيا.هنا قد يجدر الكلام عن أهمية معرفة حتمية التسليم بجدوى وبضرورة فهم قيمة الاعلام والذي يتسيده حاليا الاعلام المرئي في كل فروعه واصنافه اهميته في المساهمة بصياغة الوعي الاجتماعي وربما اعادة صياغته واخراجه من نمطية محددة تترك اي مجتمع فريسة للجشع البشري.

الصورة هي تأريخ للحظة يمكن صياغة مفاهيم له بمجلدات طالما تحفظ حدثا وان كان بأبسط معانيه لكنها تبقى تاريخا يؤسس لذاكرة جمعية . هل يمكن مثلا ان نفكر بما تركته صورة عيسى بن مريم في وعي المنتمين لدينه. ماذا تعني تلك الصورة التي يحضر معها التاريخ بكل احداثه منذ الفي عام.هل يمكن ان نتحدث عن ما فعلته محطة سي ان ان في حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي . كيف طبعت تلك الحرب بمفاهيمها وبسرديتها حتى تمت تسميتها بحرب سي إن إن وحاملات الطائرات التي تقلع عنها تلك القاذفات المرعبة التي ضربت الجيش العراقي حينها. هل يمكن ان نفهم اهمية صورة الشيخ المؤسس زايد وهو يتجول في الخليج بين جزر الامارات التي سيطرت عليها ايران منذ سبعينات القرن الماضي.هل نتحدث عن اهمية تلك الصورة التاريخ والحق والحقوق.

الصورة هي وعي للذات وللحاضر وللتاريخ وللتأريخ لمستقبل اي مجتمع او شعب او حضارة او ثورة. انه الاعلام صاحب السطوة الاولى وصاحب الهيبة وبالتالي هو صاحب القرار الذي يأخذ شعوب من ضفة الى اخرى ويعيد صياغة العقل البشري. الإعلام ولو بدأ من بيان مكتوب ونشر بصحيفة او بُث براديو او تلفزيون . بات فلسفة حياة .
ليس ترفاً القول ان إعلام الصورة هو احد اعمدة الصراعات في العالم وليس ترفا ايضا انه احد اعمدة التنمية البشرية من اجتماعية واقتصادية وسياسية والاهم الثقافية وطبعا هذا المقام لا يفي مفهوم التنمية حقه وهو المفهوم الذي اضحى سلوكا بشريا تعتمده كل الامم وكل على طريقته لا سيما فيما يسمى العالم الثالث.

اعلام الصورة والتنمية وجهان لهدف واحد وهو الارتقاء بالوعي الانساني اجتماعيا وثقافيا لمواكبة عمليات الانتقال من واقع اجتماعي اقتصادي الى واقع افضل وبدرجات متتالية. وعي الواقع وتطويره احد اهداف التنمية. وفهم هذا الواقع الذي يشكل دائما ظاهرة فعل بشري لم يعد بمقدوره تجاوز مراحله من دون اعلام يعيد صياغة الوعي لتحديد الموقف واتخاذ القرار.
انه اعلام الصورة الحاضر في خلفية اي قرار خصوصا مع انفجار الاعلام الجماهيري او ما يصطلح على تسميته التواصل الاجتماعي الذي نجح فضاؤه المفتوح في الغاء الحدود بين الامم وفي زعزعة الدفاعات القيمية للمجتمعات لنصبح اليوم مواطنين في مدن وليس في دول.

اذا كانت الكلمة وحدها سابقا الاساس في التلاعب بالعقول وصناعة القرارات ، فان الكلمة اليوم اخذت موقع المرافق للصورة التي سيطرت على موقع الفعل والفاعل في آلية عمل مذهلة ومكلفة للتحكم في الاهواء والامزجة والقرارات والخيارات في مجمل مفاصل الحياة الا ما يعني المحصورة فقط لارادة رب العالمين.
بالتأكيد للصورة جانب ايجابي كبير لا سيما عندما تأخذ سلطات أي بلد قرارات شعبية بهدف التنمية ، يأتي هنا دور الصورة في ادخال تلك القرارات في الوعي المجتمعي . فقط بالاشارة السريعة الى ما كانت عليه الامارات مطلع سبعينات القرن الماضي عند اتخاذ قرار الوحدة بقيادة زايد الامارات نرى بالصورة عمليات الانتقال من مجتمع كان يفتقر الى ابسط مقومات الحياة الى مجتمع بات مقصدا بفعل نجاح مشاريع التنمية بكل اوجهها واولها البشرية المقصود صناعة الانسان الجديد.

بغض النظر عن الجانب التجاري الاستهلاكي لفعل الصورة فانها الصانع الاول ليومياتنا المعاشة تأخذنا اليها الصورة الغازية لمنزلنا لسيارتنا لثيابنا لأكلنا لشربنا لتصنع سلوكنا اليومي في جانبيه الايجابي والسلبي . لا تترك الصورة مجالا للتفلت منها، هي صاحبة الامر في السينما والتلفزيون واعلام التواصل الاجتماعي المحرك لكل سكون.
ثمة صور كثيرة كتبت تواريخ سياسية وعلمية وعسكرية في القرن الماضي والحالي.من منا لا يعيش حتى الساعة مع صورة رعب قنبلة هيروشيما عام 45 من القرن الماضي والتي وضعت الولايات المتحدة في صدارة الامم الاقوى عالميا ، من منا يستطيع تجاوز صورة يوري غاغارين السوفياتي نهاية خمسينات القرن الماضي وهو يفتتح عصر غزو الفضاء ومن يستطيع ان يزيل صورة نيل ارمسترونغ التي قيل انها على سطح القمر. صورتان نقلتا العقل البشري الى عمق علمي جديد يثير التساؤلات عن مصير كوكبنا وفضاءاتنا وسمواتنا وحياتنا واخرتنا.

وفي قرننا الحالي كانت صورة تدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك كافية لصياغة سياسة دولية ما تزال تحكم قرارات الدول تحت عنوان محاربة الارهاب وما يتبع ذلك من سياسات اقتصادية.
انها الصورة انها ..القرار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: